محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
492
بدائع السلك في طبائع الملك
نوعا من الوعظ السياسي : لم يكن الطرطوشي من وعاظ السلاطين ، الذي تعودهم تاريخ الخلفاء ، يعظ الواعظ الخليفة أو الحاكم ، ثم يبكي الخليفة أو الحاكم ، وينتهي الامر عند هذا . وكم لدينا من صور هذا الوعظ في تاريخ الزهاد والمتصوفة والعلماء . كان الطرطوشي يريد عودة الدولة الاسلامية إلى الوعي بامكانية استمرارها ، وذلك بأن تجدد في آناتها الحاضرة ، آنات حكومة النبي وأصحابه الماضية ، التاريخ عنده هو عودة زمان ، ولكنه لا يقصد أبدا عودة المادة ، تكرار الحياة المادية الأولى ، وتحويل المجتمع الاسلامي في القرن السادس الهجري إلى حياة البساطة الأولى في مجتمع المدينة ، وانما يريد عودة الصورة استعادة المثل الأخلاقية والداخلية التي سادت المجتمع الأول . ولذلك كان المثال الصارخ عنده هي المسؤولية ، مسؤولية الحاكم ، ومسؤولية المحكوم ، فليتطور المجتمع ، كما تشاء له سنة الحياة ، ولكن لا بدّ وان يكون حاكمه متحملا ومتجملا بالمثل الاسلامية الأولى في حكومة محمد صلى الله عليه وسلم أو في حكومة عمر . وكذلك المحكومون ، وكذلك الصلة بين الحاكمين والمحكومين ، وهي التي تتعين في الوزارة والاستشارة والعمال والحجاب ، والقواد والجند والجباية والخراج . . . الخ . انه يعلم أن كل مظاهر الحياة قد ضخمت وعظمت وتغير المجتمع في مظاهره المادية ، والطرطوشي فقيه ، وهو يعلم أنه تحدث أحكام بقدر ما تحدث من أقضية . ولكن المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تتغير أو لا ينبغي أن تتغير . وان كانت صورتها الفريدة في حكومة محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه الأوائل ، فإنه يوجد أيضا في حكمة اليونان والفرس السياسية ، ما يؤيدها . وهنا وجه الخلاف بينه وبين ابن خلدون . ان ابن خلدون يتفق قطعا مع الطرطوشي في مثالية الحكومة الاسلامية الأولى في سياستها ولكن بسبب خارجي هو الملة الجديدة التي حولت العرب إلى أمة حاكمة . ثم ما لبثت العصبية ان حلت مكان الدين ، وانتهى أمر الدين ، اللهم الا إذا استخدمته العصيبة ، وبه تزداد منعة وقوة . ولكنه لن يكون أبدا - بعد العهد الأول - أساس دولة . أما الطرطوشى ، وان كان لم يصرح بمصطلح العصبية أو الشوكة . وقد كانا